أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

287

العقد الفريد

آل مروان ، فأخذت ثقيف فضلا صار لها ، لولاهم للقطته السابلة « 1 » ؛ ولقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملي ، وكان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان ؛ وإن أمير المؤمنين لرابع أربعة : أحدهم ابنة شعيب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ إذ رمت بالظن غرض اليقين تفرّسا في النجيّ المصطفى بالرسالة ، فحقّ لها فيه الرجاء ، وزالت شبهة الشك بالاختبار ؛ وقبلها العزيز في يوسف ؛ ثم الصدّيق في الفاروق ، رحمة اللّه عليهما ؛ وأمير المؤمنين في الحجاج . وما حسد الشيطان يا أمير المؤمنين خاملا ، ولا شرق « 2 » بغير شجى ؛ فكم غبطة يا أمير المؤمنين للرجيم أدبر منها وله عواء وقد قلت حيلته ، ووهن كيده يوم كيت وكيت ؛ ولا أظن أذكر لها من أمير المؤمنين . ولقد سمعت لأمير المؤمنين في صالح - صلوات اللّه عليه - وفي ثقيف مقالا ، هجم بي الرجاء لعذله عليه بالحجة في ردّه ، بمحكم التنزيل في لسان ابن عمه خاتم النبيين وسيد المرسلين ؛ صلّى اللّه عليه وسلم . فقد أخبر عن اللّه عز وجل ؛ وحكاية غرّ الملأ من قريش عند الاختيار والافتخار ، وقد نفخ الشيطان في مناخرهم ، فلم يدعوا خلف ما قصدوا إليه مرمى ، فقالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 3 » . فوقع اختيارهم - عند المباهاة بنفخة الكفر ، وكبر الجاهلية ، على الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبي مسعود الثقفي ؛ فصارا في الافتخار بهما صنوين ، ما أنكر اجتماعهما من الأمة منكر في خبر القرآن ومبلّغ الوحي ، وإن كان ليقال للوليد في الأمة يومئذ : ريحانة قريش ؛ وما ردّ ذلك العزيز تعالى إلا بالرحمة الشاملة في القسم السابق ، فقال عز وجل : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « 4 » . وما قدمتني يا أمير المؤمنين ثقيف في الاحتجاج لها ، وإن لها مقالا رحبا ، ومعاندة قديمة ؛ إلا أن هذا من أيسر ما يحتج به العبد المشفق على سيده المغضب ، والأمر إلى أمير المؤمنين ، عزل أم أقرّ ، وكلاهما عدل متبع ، وصواب معتقد . والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه .

--> ( 1 ) السابلة : الذين يمرّون على السابلة ، وهي الطريق المسلوك . ( 2 ) شرق : غصّ . ( 3 ) سورة الزخرف الآية 31 . ( 4 ) سورة الزخرف الآية 32 .